طورت الكائنات الحية الأكثر تعقيدًا جهازًا عصبيًا قادرًا على إدراك الألم، لأن الألم يمثل إحدى الآليات التي تساعد الجسم على حماية نفسه من الأخطار، مثل الحرارة والبرودة والأجسام الحادة والصدمات. تخيل ما الذي قد يحدث إذا لم نكن قادرين على الشعور بالألم.
فعلى سبيل المثال، قد يعض الشخص شفته دون أن يشعر بذلك بعد تلقي التخدير الموضعي لعلاج الأسنان إذا تناول الطعام قبل زوال مفعول المخدر. وبالمثل، قد يؤدي لمس جسم شديد السخونة دون الشعور بالألم إلى حدوث حروق وفقاعات وتورم واحمرار في الجلد.
يمتلك الإنسان، المعروف علميًا باسم Homo sapiens، جهازًا عصبيًا متطورًا يستطيع إدراك مجموعة واسعة من الأحاسيس، بما في ذلك الألم.
ويُعد الألم في كثير من الأحيان أحد الإشارات المبكرة التي تنبه إلى وجود اضطراب في الجسم. لذلك فإن تحديد السبب وعلاج الحالة بشكل مناسب قد يساعدان على تخفيف الأعراض ومنع تطورها.
علاج الألم في العصور القديمة (1500–1300 قبل الميلاد)
كان الاعتقاد السائد آنذاك أن الألم والمرض قد ينتجان عن الأرواح الشريرة أو القوى الخارقة أو عقاب الآلهة، ولذلك كان العلاج يُقدم غالبًا على يد أشخاص يجمعون بين دور الطبيب والمعالج الروحي.

- تشير بعض الروايات إلى أن المصريين القدماء استخدموا مستحضرات مشتقة من الضفادع ووضعوها على المناطق المؤلمة، بالتزامن مع ترديد تعاويذ لعلاج الصداع.
- استخدم الإنكا القدماء أوراق نبات الكوكا لتخفيف الألم. وكان نبات الكوكا يُعد نباتًا مقدسًا في أمريكا الجنوبية، واستُخدم في الطقوس وكذلك لأغراض علاجية.
- عُرف الأفيون الخام في مصر وآسيا الصغرى، وأطلق عليه السومريون وصف “زهرة الفرح”.
- استخدم المصريون القدماء الأفيون في مستحضرات تؤخذ عن طريق الفم وأخرى موضعية، كما استُخدم دخانه في بعض الممارسات القديمة لمحاولة تخفيف ألم الأسنان.
- استخدم الأفيون في الهند والصين للتخفيف من ألم الأسنان والعظام والمفاصل.
جمعت طرق العلاج في هذه المرحلة بين النباتات ذات التأثيرات المهدئة أو المسببة لتغير الإدراك والطقوس المرتبطة بالمعتقدات السائدة.
علاج الألم في العصر الكلاسيكي: اليونان وروما القديمة (600–400 قبل الميلاد)
- نحو عام 566 قبل الميلاد، اقترح Alcmaeon of Croton أن الدماغ، وليس القلب، هو مركز الإحساس والتفكير.
- نحو عام 460 قبل الميلاد، اعتقد Hippocrates أن الألم يرتبط باختلال توازن الأخلاط الأربعة في الجسم، كما استخدم لحاء الصفصاف لعلاج بعض حالات الألم والحمى.

رسم توضيحي لنظرية الأخلاط الأربعة في الجسم من القرن السادس عشر. المصدر: Wikimedia Commons.
- اعتقد Aristotle أن القلب هو مركز الإحساس والروح والحياة، بينما رأى أن الدماغ يؤدي دورًا في تبريد الجسم.
- درس Herophilus وErasistratus الأعصاب المتصلة بالدماغ والحبل الشوكي، واقترحا أن الدماغ جزء رئيسي من الجهاز العصبي، كما ميّزا بين الأعصاب المرتبطة بالحركة وتلك المرتبطة بالإحساس.
استُخدم الأفيون خلال هذه الفترة أيضًا، كما استُخدمت ممارسات مثل إخراج الدم في محاولة لإعادة التوازن المفترض لسوائل الجسم. وكان أحد النقاشات المهمة في ذلك العصر يدور حول ما إذا كان مركز الإحساس هو الدماغ أم القلب.
علاج الألم خلال المرحلة الانتقالية إلى العصر الميلادي (300 قبل الميلاد–50 ميلاديًا)
- يُعتقد أن الوخز بالإبر كان مستخدمًا في الصين منذ عصور مبكرة، وأصبحت الأدلة التاريخية على استخدامه لعلاج المرض والألم أوضح خلال هذه الفترة.
- استُخدمت الأسماك الكهربائية في مصر واليونان وروما القديمة في محاولات لتخفيف الألم من خلال الاستفادة من التفريغ الكهربائي الذي تنتجه.
بدأ خلال هذه المرحلة يتطور فهم أن الإشارات الحسية تنتقل عبر الأعصاب إلى الجهاز العصبي المركزي، وأن التأثير في نشاط الأعصاب قد يغير الإحساس بالألم.
علاج الألم في العصور الوسطى وعصر النهضة (50–1800 ميلاديًا)
- نحو عام 160 ميلاديًا، أعاد Galen التأكيد على دور الدماغ كمركز للجهاز العصبي الحسي واتصاله بالأعصاب الطرفية.
- استخدم Galen مستحضرات مركبة تحتوي على مكونات عديدة، منها الأفيون والقرفة والزعفران والفلفل والزنجبيل والنبيذ والعسل.
- في عام 1550، وصف Jacobus Theodorus المخاطر المحتملة للاستخدام المفرط للأفيون، بما في ذلك الخدر والضعف وإمكانية الوفاة.
- اقترح René Descartes أن الإحساس يبدأ من النهايات العصبية في الجلد وينتقل إلى الدماغ، وشبّه انتقال الإشارة العصبية بحبل متصل بجرس.

- خلال سبعينيات القرن السابع عشر، انتقلت معرفة الوخز بالإبر من الصين إلى اليابان، ودرس Willem ten Rhijne هذه الممارسات أثناء وجوده في Nagasaki وأسهم لاحقًا في تعريف أوروبا بها.
- في عام 1784، ذكر الجراح البريطاني James Moore أن الأفيون كان مفيدًا خصوصًا في تخفيف الألم بعد العمليات الجراحية.
- في أواخر القرن الثامن عشر، ساهمت أعمال Joseph Priestley وHumphry Davy في التعرف على الخصائص المسكنة للألم لغاز Nitrous Oxide.
علاج الألم منذ الثورة الصناعية (1800–1900)
- في أوائل القرن التاسع عشر، ساعدت التجارب العلمية المنظمة على توسيع فهم الآليات المسؤولة عن الإحساس بالألم.
- في عام 1824، ربط Marie-Jean-Pierre Flourens التفكير والذاكرة والرغبة والإحساس بوظائف الدماغ.
- طرح Johannes Peter Müller مبدأ الطاقات العصبية النوعية.
- ناقش Moritz Schiff وباحثون آخرون العلاقة بين الإحساس باللمس والإحساس بالألم.
- أسهمت أبحاث Sir Henry Head في تطوير مفهوم الألم المحال، حيث يمكن أن يُشعر بالألم الناتج عن عضو داخلي في منطقة أخرى من الجسم.

النظريات الحديثة للألم
- درس Alfred Goldscheider (1858–1935) مناطق الإحساس بالحرارة والبرودة والألم والضغط في الجلد، وأكد أهمية شدة المنبه وطريقة معالجة الجهاز العصبي للمعلومات الحسية.
- في عام 1965، قدم Ronald Melzack وPatrick Wall نظرية Gate Control Theory of Pain، التي تقترح أن آليات عصبية داخل الحبل الشوكي تساعد على تنظيم انتقال إشارات الألم إلى الدماغ.
أسهمت هذه النظريات في توفير أساس علمي لطرق مثل التدليك والضغط والتحفيز الكهربائي للأعصاب ضمن علاج الألم، من خلال التأثير في الإشارات الحسية والعصبية المتجهة إلى الحبل الشوكي والدماغ.